التعاونيات الشبابية الزراعية في اليمن: رهان على المستقبل المستدام

صورة فعالية جمعية ريكاد

التعاونيات الشبابية الزراعية في اليمن: رهان على المستقبل المستدام

29 أغسطس 2025
00:00 - 00:00
عام
عن الفعالية

في زمن تتزايد فيه التحديات الاقتصادية والاجتماعية والمناخية التي تواجه المجتمعات الريفية في اليمن، تبرز التعاونيات الشبابية الزراعية كأداة ديناميكية تحمل في جوهرها عالقدرة لى إعادة صياغة المشهد الزراعي والاقتصادي والاجتماعي في البلاد. لقد أثبت التاريخ أن التعاونيات ليست مجرد شكل تنظيمي للعمل الجماعي، بل هي فلسفة للتنمية المتوازنة تقوم على مبادئ التمكين، المشاركة، والملكية المشتركة. وإذا ما أُسقط هذا المفهوم على الشباب الريفي اليمني، فإننا أمام فرصة تاريخية لإطلاق طاقة كامنة طالما حُوصرت بقيود النزاعات، والتهميش، وضعف البنية المؤسسية.

اليمن بلد زراعي بامتياز، حيث يشكل الريف أكثر من 70% من التركيبة السكانية. ومع ذلك، يعاني هذا القطاع من تراجع الإنتاجية، هجرة الشباب، وتدهور البنية التحتية نتيجة أزمات متراكمة. هنا يأتي دور التعاونيات الشبابية الزراعية باعتبارها منصة بديلة قادرة على ربط الممارسات الزراعية المستدامة بآليات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني (Social and Solidarity Economy)، بما يضمن خلق فرص عمل، تعزيز الأمن الغذائي، وبناء مجتمعات قادرة على الصمود (Resilient Communities).

إن التعاونيات الشبابية في اليمن ليست مجرد إطار تنظيمي للزراعة التقليدية، بل هي مختبر عملي لتجريب مفاهيم الابتكار الاجتماعي (Social Innovation) والتحول الريفي (Rural Transformation). فهي تمنح الشباب مساحة لتبادل المعرفة، تنظيم الموارد، وتطوير سلاسل قيمة زراعية ذات طابع محلي وعالمي في آن واحد. وبهذا المعنى، فإنها تجسد عملياً الشعار العالمي "لا أحد يُترك خلف الركب" (Leave No One Behind)، الذي يمثل الركيزة الأساسية لأجندة التنمية المستدامة 2030.

الشباب كقوة محركة للتغيير

ما يميز التعاونيات الشبابية الزراعية في اليمن هو كونها تقف عند تقاطع ثلاثة محاور أساسية: الشباب، الزراعة، والتعاونيات. كل محور من هذه المحاور يحمل أهمية استراتيجية، لكن اجتماعها معاً يولّد قوة مضاعفة. فالشباب اليمني اليوم، رغم ما يواجهه من تحديات البطالة والهجرة الداخلية والخارجية، يملك وعياً متزايداً بأهمية الزراعة ليس فقط كمصدر عيش، بل كبوابة لتحقيق السيادة الغذائية (Food Sovereignty) والتحكم في المصير الاقتصادي والاجتماعي للمجتمع المحلي.

من خلال التعاونيات، يجد الشباب منصة للتعبير عن تطلعاتهم عبر العمل الجماعي المنظم. إنها ليست مجرد وسيلة لتجميع الجهود، بل فضاء يُمارَس فيه التمكين (Empowerment) بمعناه الحقيقي: إشراك الشباب في اتخاذ القرار، إدارة الموارد، والمساهمة في صياغة سياسات محلية زراعية أكثر عدلاً واستدامة. بهذا المعنى، تصبح التعاونيات أدوات لإعادة توزيع السلطة الاقتصادية والاجتماعية، بحيث لا تبقى متركزة في يد قلة من التجار أو الوسطاء، بل تعود إلى الفاعلين الأساسيين: المزارعين والشباب الريفي.

التعاونيات كجسر بين المحلي والعالمي

في عالم مترابط، لم يعد من الممكن النظر إلى الزراعة كقطاع معزول. السوق الزراعي أصبح عابراً للحدود، والمفاهيم الحديثة مثل الزراعة الذكية مناخياً (Climate-Smart Agriculture)، إدارة الموارد الطبيعية التشاركية (Participatory Natural Resource Management)، وسلاسل القيمة المستدامة (Sustainable Value Chains) باتت جزءاً من لغة التنمية.

التعاونيات الشبابية الزراعية في اليمن يمكن أن تشكل جسراً يربط بين الريف المحلي والاتجاهات العالمية. فهي قادرة على تمكين المزارعين الشباب من الوصول إلى أسواق أوسع، تبني تقنيات حديثة، والمشاركة في شبكات دولية للتعاون والتبادل. كما يمكن أن تلعب دوراً محورياً في الاقتصاد الأخضر (Green Economy)، من خلال تبني ممارسات تقلل من الانبعاثات وتعزز كفاءة استخدام الموارد.

في هذا السياق، لا يقتصر دور التعاونيات على كونها أداة للتنظيم المحلي، بل تتحول إلى فاعل رئيسي في الحوار العالمي حول الأمن الغذائي، التغير المناخي، والعدالة الاجتماعية.

التعاونيات كآلية للصمود في وجه الأزمات

اليمن يعيش اليوم حالة مركّبة من الأزمات: نزاع مسلح، تدهور اقتصادي، كوارث طبيعية، وتغير مناخي. هذه التحديات أفرزت واقعاً هشاً في الريف حيث ضعف البنية التحتية، انعدام الخدمات، وتآكل شبكات الأمان الاجتماعي. في مثل هذا السياق، تبرز التعاونيات كآلية مجتمعية لبناء الصمود.

من خلال التنظيم التعاوني، يمكن للشباب أن يؤسسوا صناديق تضامن، شبكات توزيع غذائي، ومبادرات مجتمعية للتكيف مع الجفاف أو الفيضانات. إن العمل التعاوني لا يقتصر على زيادة الإنتاج الزراعي، بل يتجاوز ذلك ليشمل تعزيز المرونة المجتمعية (Community Resilience) في مواجهة الصدمات والأزمات.

لقد أثبتت تجارب عدة أن المجتمعات التي تملك مؤسسات محلية قوية – كالتعاونيات – تكون أكثر قدرة على مواجهة الكوارث، وأكثر استعداداً للتكيف مع التغيرات المفاجئة. وبالنظر إلى السياق اليمني، فإن الاستثمار في التعاونيات الشبابية الزراعية هو في جوهره استثمار في الأمن الوطني والاستقرار الاجتماعي.

نحو استراتيجية وطنية للتعاونيات الشبابية الزراعية

إذا أردنا أن يتحول هذا الدور من مبادرات متناثرة إلى حركة مجتمعية واسعة، فلا بد من بناء استراتيجية وطنية شاملة للتعاونيات الشبابية الزراعية في اليمن. هذه الاستراتيجية يجب أن تقوم على:

توفير بيئة تشريعية وتنظيمية داعمة، تضمن استقلالية التعاونيات وتمنحها شخصية قانونية قوية.

الاستثمار في بناء القدرات المؤسسية للشباب، عبر التدريب، التعليم، وتبادل الخبرات.

تطوير شراكات بين التعاونيات والقطاع الخاص، المنظمات الدولية، والمؤسسات الأكاديمية.

تعزيز دور المرأة الريفية في هذه التعاونيات، لضمان شمولية أكبر وعدالة اجتماعية أعمق.

هذه الاستراتيجية لا تعني فقط تقوية التعاونيات، بل تمثل ركيزة لإعادة بناء الاقتصاد الريفي اليمني على أسس أكثر استدامة وعدلاً.

إن التعاونيات الشبابية الزراعية في اليمن ليست ترفاً تنظيمياً ولا مجرد صيغة عابرة من صيغ التنمية، بل هي خيار استراتيجي يفتح أمام البلاد نافذة للخروج من دوائر الفقر، التهميش، والاعتماد على الخارج. إنها تمثل، في جوهرها، ثورة صامتة يقودها الشباب الريفي من أجل استعادة زمام المبادرة وصياغة مستقبلهم بأيديهم.

وبينما يتجه العالم نحو تعزيز الاقتصاد الأخضر والعدالة المناخية، فإن التعاونيات الشبابية الزراعية في اليمن تملك كل المقومات لتكون فاعلاً مركزياً في هذا التحول العالمي. فهي ليست فقط رهاناً على الزراعة، بل رهان على الشباب، على الريف، وعلى إمكانية أن يولد الأمل من قلب الأزمات.



جدول الفعالية
عنوان غير متوفر
00:00 - 00:00

لا يوجد وصف.

التسجيل في الفعالية
المقاعد المتاحة: 1
منظم الفعالية
جمعية ريكاد شباب الريف

https://rycad.coop